يحيي بن حمزة العلوي اليمني

158

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

المرتبة الأولى في [ الاقتصاد ] ومعناه أن يكون المعنى المندرج تحت العبارة على حسب ما يقتضيه المعبر عنه مساويا له من غير زيادة فيكون إفراطا ، ولا نقصان فيكون تفريطا ولنورد فيه أمثلة أربعة توضح المقصود منه بمعونة الله تعالى . المثال الأول من كتاب الله تعالى وهذا كقوله تعالى في صدر سورة البقرة في صفة المتقين : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ( 2 ) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 3 ) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ( 4 ) أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 5 ) [ البقرة : 2 - 5 ] فهذه الأوصاف على نهاية الاقتصاد والتوسط من غير إفراط ولا تفريط ، وقوله تعالى : في افتتاح سورة المؤمنين في صفة أهل الإيمان قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ( 1 ) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ( 2 ) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ( 3 ) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ ( 4 ) [ المؤمنون : 1 - 4 ] إلى قوله أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ ( 10 ) [ المؤمنون : 10 ] والقرآن وارد على هذه الطريقة ، فإنه وارد على نهاية الاعتدال والتوسط ، فهذا ما ورد في المدح ، فأما الذم فكقوله تعالى : في سورة نون يخاطب به الوليد ابن المغيرة المخزومي ، وقيل الأخنس بن شريق ، وقيل الأسود بن عبد يغوث فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ ( 8 ) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ( 9 ) وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ ( 10 ) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ( 11 ) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ( 12 ) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ ( 13 ) [ القلم : 8 - 13 ] فهذه أوصاف دالة على الذم ، صادقة عما هم عليه من هذه السمات جارية على جهة الاعتدال والتوسط من غير إفراط ولا تفريط ، وهكذا القول في جميع علوم القرآن وأصوله من الأوامر ، والنواهي والوعد ، والوعيد ، والقصص ، والأمثال ، فإنها جارية على جهة التوسط والاعتدال لا تخرج عن حد فيما تناولته من مدح ولا ذم ولا غيره كما يكون الخروج في غيره . المثال الثاني من السنة النبوية ، فمن ذلك قوله صلى الله عليه : ألا أحدثكم بأحبكم إلى وأقربكم منى مجالس يوم القيامة ، أحاسنكم أخلاقا الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون ، ألا أخبركم بأبغضكم إلى وأبعدكم منى مجالس يوم القيامة ، الثرثارون المتفيهقون . فانظر إلى حبه . فما أعدله ، وإلى بغضه ما أقومه ، فأعطى المحب ما يليق به ، وأعطى المبغض ما